ليس من السهل – بالنسبة لي على الأقل- مشاهدة مقاطع فيديو الهجوم الأهوج على دار يقطنه رجال ونساء عزّل، وهم يتعرضون للضرب المبرح على باب دارهم بالعصي والهراوات، ثم يسحبون خارج الدار، ويربطون بالحبال ويسحبون على الأرض لمدة ساعتين، قبل أن يفارقوا الحياة.
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الاجتهاد والتقليد في كتاب بيان الفقه*

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر الخابوري
المراقب العام
المراقب العام
avatar

عدد المساهمات : 651
تاريخ التسجيل : 27/06/2013

مُساهمةموضوع: الاجتهاد والتقليد في كتاب بيان الفقه*   الجمعة يونيو 28, 2013 2:41 am

الاجتهاد والتقليد في كتاب بيان الفقه*
لسماحة المرجع الشيرازي/1

بقلم: السيد يونس البطاط(1)
التدوين
التدوين لغة: الجمع, ودوّن الفقه جمعه.
وأصله من التدوين أي جعله في الديوان – وهو بكسر وفتح اسم لما يكتب فيه أسماء الجيش للعطاء – ثم أُريد به مطلق الكتابة مجازاً أو منقولاً اصطلاحاً.
ولكتابة نبذة مختصرة عن تاريخ التدوين الإسلامي نقول بإنّ تدوين الحديث بدأ مع بداية البعثة الشريفة فكما كان له صلى الله عليه وآله كُتّاباً للوحي كان له صلى الله عليه وآله كُتّاباً للحديث بالإضافة إلى أنّه كان يشجّع على كتابة الحديث وقد سمح لأصحابه بالكتابة، وكان له صلى الله عليه وآله صحيفة كتبت بإشرافه علّقها بقراب سيفه، شملت مقادير الديّات وأحكام فكاك الأسير والعقل، وقد روى الشيعة والسنّة منها.
فقد روى البخاري في صحيحه في باب الديّات(2) وابن ماجة(3) في سننه واحمد في مسنده(4).
وكذلك كتب الإمام عليّ صلوات الله عليه الجامعة التي كانت بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أفصح الأئمة صلوات الله عليهم عنها. فعن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله صلوات الله عليه فقلت: جعلت فداك, وما الجامعة؟ قال: «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش...»(5) بالإضافة إلى صحف أخرى منها صحيفة أبي رافع(6)، وصحيفة عبد الله بن عمر(7)، صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري(Cool، وغيرها.
ولكن بانتقال الرسول صلى الله عليه وآله لجوار ربّه مُنع الناس من الكتابة, فروي أنّ الخليفة الأول جمع الناس وقال: إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم اشد اختلافاً, فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً, فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله...(9).
على أنّ الأصحاب لم يلتزموا بذلك كثيراً إلاّ بالتشديد من الخليفة الثاني الذي جمع الأحاديث وحرقها(10)، وكتب إلى سائر الأمصار: من كان عنده شيء من ذلك فليمحه(11)، واستمر المنع إلى زمن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز 99 هـ - 101 هـ) فقد زال المحذور الذي يخشاه الخلفاء فأمر بجمع الأحاديث وتدوينها. فأخذ التدوين طابعاً جديداً تمثّل بجمع الأحاديث وأكثرها من قلوب محدّثيها، لذا رأينا تقسيمه إلى:
أولاً: التدوين عند أهل السنّة
واجهت السنّة بسبب منع كتابة الحديث مشكلة كبيرة في كتابة الأحكام الشرعية لذا وكنتيجة طبيعية لا نجد لهم خلال فترة المنع التي استمرت لأكثر من تسعين سنة تقريباً أي كتاب في الأحكام، ومع اعتلاء عمر بن عبد العزيز الحكم في بداية القرن الثاني من الهجرة بدأ جمع الحديث بتأنّي يشوبه كثير من الحذر إلاّ إنّ هذا الحذر أخذ بالتلاشي شيئاً فشيئاً ليشهد القرن الثاني تطوّراً ملحوظاً في كتابة الحديث وتدوينه وترتيبه في كتب خاصّة، وكان من أهم هذه الكتب: كتاب (الموطأ) لمالك بن أنس الذي صنّفه بأمر الخليفة العبّاس أبو جعفر المنصور(12), فعن خالد بن نزار الأيلي: قوله: بعث أبو جعفر المنصور إلى مالك حين قدم المدينة فقال: إنّ الناس قد اختلفوا بالعراق, فضع للناس كتاباً نجمعهم عليه فوضع (الموطأ)(13).
إلاّ أنّ الكتب في هذه الفترة اتسمت بملابسات كثيرة منها شوب كثير من فتاوى الصحابة أو غيرهم للأحاديث المروية فيه، لذا نجد أنّ الاعتماد عليها قلّ شيئاً فشيئاً.
وأمّا القرن الثالث من الهجرة فقد شهد تطوّراً هائلاً في الكتابة وذلك بالتخلّص من شوب الحديث بالفتاوى فكتب الحديث منفرداً عنها.
والملاحظ على سير التدوين عند أهل السنّة بعد المنع لمدّة أكثر من تسعين سنة أنّ الخلاف في الأحكام الشرعية وإنّ كان موجوداً في فترة المنع إلاّ أنّه لم يتعد الخلاف في بعض المسائل الجزئية وخصوصاً المسائل العقائدية ولكن بعد تدوين الحديث ظهرت الحاجة إلى بعض الأحكام الشرعية فالنقص في الحديث والتطوّر المدني جعل الفقهاء أمام معضلة حقيقية، فلسده أدخل القياس والعمل بالرأي الذي سيطر على المدوّنات بشكل واضح.
ثانياً: التدوين عند الإمامية
وجود الإمام صلوات الله عليه واعتقاد الشيعة باستمرار عصر النص بوجوده حال دون تأثير المنع على التدوين والأحكام الشرعية بشيء، فانقطاع أكثر من تسعين سنة مع كثرة الكذّابين والوضّاعين وأصحاب النفوس الضعيفة والمتصيّدين في الماء العكر عوامل أثّرت على الأحكام الشرعية عند أهل السنّة فقط ولم تؤثّر على أهل الشيعة بشيء.
لذا فالأحاديث الشريفة الحاملة للأحكام والعقائد ونحوها كانت محفوظة، فيمكن القول بأن التدوين عند الشيعة سار مسار الرسالة الخالدة وازدهر للعيان بعهد الإمامين الباقر والصادق صلوات الله عليهما ليصل إلى أوج عظمته. فظهرت الكتب الناقلة للأحكام الشرعية التي لم تتعدى الروايات الصادرة عن الأئمة صلوات الله عليهم حافظة إطار الألفاظ التي تلفظ بها إلاّ أنّ ذلك لا يعني عدم وجود كتب تتضمن نقل الأحكام الشرعية عن اجتهاد ككتاب: (يوم وليلة) ليونس بن عبد الرحمن الذي احتوى آراء فقهية استخرجت من الروايات، ففترة الأئمة صلوات الله عليهم إلى زمن الغيبة كانت من أغنى الفترات في كتابة الحديث فكتبت الأصول الأربعمائة بالإضافة إلى آلاف الكتب الأخرى التي أغنت الفقه الشيعي بما لا يحتاج معه إلى شيء, فعن الحرّ العاملي (صاحب الوسائل) أنّه عدّ كتب الحديث في هذه الفترة بما يزيد عن ستّة آلاف وستمائة كتاب(14).
والملاحظ على هذه الكتب باستثناء الجامعة أنّها كتب جزئية غير شاملة لكل الفقه.
لكن مع بداية عصر الغيبة ظهرت الحاجة إلى التدوين ومعه بدأ العلماء بجمع هذه الأحاديث في جوامع فقهية شاملة يمكن تقسيم طريقة الكتابة فيها إلى أقسام:
الأول: كتب الحديث
وفيها كتبت الأحاديث مع أسانيدها، ويمكن القول بأنّها بدأت بزمن الإمام الباقر والإمام الصادق صلوات الله عليهما وكان الاجتهاد في هذه الكتب عبارة عن التمييز بين الروايات الصحيحة من الموضوعة مع التبويب.
ومن هذه الكتب: كتاب (الصلاة) لحريز بن عبد الله السجستاني، و(يوم وليلة) ليونس بن عبد الرحمن، وكذلك منها كتب الجوامع التي يعتبر أهمها الكتب الأربع:
1- كتاب الكافي: لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 328/ 329 هـ.
2- كتاب من لا يحضره الفقيه: لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المتوفى سنة 381 هـ.
3- الاستبصار والتهذيب: لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 هـ.
وهذه الكتب حوت تقريباً أكثر الأحاديث المنقولة عن الأئمة الاطهار مع المحافظة على أسانيدها.
الثاني: كتب الأحكام الشرعية
وهذه الكتب يمكن تقسيمها على وفق ما جاء بها إلى:
أ ـ كتب تدوين المتون الفقهية بدون ذكر الأسانيد:
ظهرت هذه الطريقة مع بداية القرن الرابع الهجري ويعتبر كتاب الفقه الرضوي المردد بين ابن بابويه القمي المتوفى سنة 329 هـ وابن الشلمغاني المقتول سنة 322 هـ أول هذه الكتب والتي منها (المقنع) للشيخ الصدوق و(النهاية) للشيخ الطوسي. وهذه الكتب حافظت على متن الرواية مع حذف الأسانيد بدون أي تدخّل أو تغيير. كما أنها كانت تقريباً شاملة لأكثر الأبواب الفقهية فكانت وظيفة الفقيه انتقاء المتون التي يراها صحيحة ويرتّبها كأحكام شرعية.
ب ـ كتب تدوين المسائل الفقهية المستنبطة:
دوّنت هذه الكتب مع بداية القرن الرابع إذ أنّ ظهور حوادث ووقائع بحاجة إلى إبداء رأي والإفتاء بخصوصها مع فقد متن الحديث الصالح في المقام دعا إلى كتابة الفقه عن طريق الاستنباط, فظهر كتاب (المستمسك بحبل آل الرسول), لابن أبي عقيل, و(تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة), لابن الجنيد, وكتاب (المبسوط) للشيخ الطوسي, و(المهذّب) لابن البرّاج, و(غنية النزوع) لابن زهرة, و(المراسم), لسلار الديلمي, و(الوسيلة), لابن حمزة ونحوها.
ج- الكتب الاستدلالية:
بعد كتابة الكتب الاستنباطية ظهرت الحاجة إلى كتب تبيّن منبع الحكم الشرعي المنقول والدليل عليه، فكتبت في بداية الأمر بشكل مبسّط للغاية اقتصرت على ذكر بعض الأدلة، ثم تطوّرت لتشمل جوامع فقهية كثيرة، فظهرت كتب كـ: (الخلاف), و(التحرير)، و(جامع المقاصد)، و(الروضة)، وهكذا.
د- كتب الرسائل الفقهية:
والتي يعتبر (جامع عباسي) أول كتاب دوّن كرسالة عملية كتبه الشيخ البهائي المتوفى سنة 1013 هـ . ثم توالت الرسائل إلى ما نحن عليه الآن.
تطوّر التدوين
استقرّ الفكر الشيعي في استنباط الأحكام الشرعية والاجتهاد فيها واستخلاصها من مصادرها الأساسية على مصادر التشريع الأربعة: (الكتاب, والسنّة والعقل, والإجماع) بل رأت في الكتاب والسنّة وحدها الكفاية في طريق الحصول على كل المسائل، فلا يوجد مسألة إلاّ ويمكن الحصول عليها منهما وإن سلم بحجية العقل ومشروعيته في عملية الاستنباط إلاّ أن في غيره الكفاية، أمّا الإجماع فهو وإن كان حجّة ولكنه ليس دليلاً على الحكم الشرعي بل هو كاشف عن الدليل وهو وجود المعصوم صلوات الله عليه معهم, لذا فكفاية الكتاب والسنّة لا تنكر. فعن سماعة أنّه سأل الإمام الكاظم صلوات الله عليه: أكل شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه, أو تقولون فيه؟ قال: «بل كل شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله»(15) إلاّ أنّ هذه الأحكام ليست في متناول الجميع ولا يمكن الحصول عليها بسهولة بل هي في ضمن آلاف الروايات والأحاديث المشتملة على الصحيح والسقيم والموضوع والمرفوع والمسند والمتعارض ونحو ذلك، لذا كان إيصال هذه الأحكام للناس مسؤلية كبيرة على علماء الشيعة تحمّلها، فكان أوّل أعمال الغيبة الكبرى هي جمع الأحاديث وترتيبها واستخلاص الصحيح من السقيم، فكان لأصحاب الكتب الأربع: «الكافي, ومن لا يحضره الفقيه, والتهذيب, والاستبصار» الدور الأكبر في هذا الجمع، وعن طريق هذه الكتب ثم استخلاص الآراء الفقهية.
ومن جانب آخر كانت الفترة القريبة من عصر النص وكما تقدّم اعتمدت على نفس ألفاظ الحديث ولكن كان إلى جانبها ظهر من له طريقة خاصّة في الاستدلال آخذاً بالاجتهاد ومخالفاً لما سار عليه الأكثر وكان رائد هذه الطريقة هو ابن أبي عقيل العماني قدّس سرّه وهو أول من أدخل المباديء الأولية للاجتهاد إلى الأبحاث العلمية، وحذا ابن الجنيد قدّس سرّه حذوه إلاّ أنّ طريقتهما جوبهت بعنف لدرجة اتهامهما بالقياس والعمل بالرأي، لكن الشيخ المفيد قدّس سرّه قام بإحياء تلك الطريقة وذلك بجمعه بين المباني العقلية والحديث في الاستنباط، ففرض مدرسة درس فيها الفقه الشيعي ومبانيه وأصوله معتمداً على الاجتهاد، وتبعه تلامذته السيد المرتضى قدّس سرّه وسلاّر وغيرهم على ذلك.
دور التطوّر
يعتبر الشيخ الطوسي قدّس سرّه رائد عملية تطوير الاجتهاد والتدوين، فهو أوّل من عالج الفقه الاستدلالي مشروحاً ومبسّطاً، فكتب النهاية وفق الطريقة التقليدية من حذف الأسانيد، وطوّر كتبه بكتاب المبسوط على طريقة مباديء الاجتهاد، وبسط فيه من المسائل ما عجز غيره عنه ليعطي انطباعاً بسعة الفقه الشيعي واستيعابه. وثم كتب الخلاف الذي يعتبر الكتاب الأول الحامل لطريقة الاستدلال الجامع بين الآراء وطريقة مناقشتها، فهو لم يكتف بذكر الاستدلال على الحكم بل طوّر ليشمل ردّ الاستدلال المقابل ليبرهن على صحّة ما ذهب إليه وبطلان آراء غيره.
دور الركود والتقليد
تلت الشيخ الطوسي قدّس سرّه فترة جمود وتقليد له وكان الفقه توقف عنده، فأفكاره وكتاباته فاقت زمانه لدرجة أذهلت العامّة قبل الخاصّة، فلم يظهر بعده فقيه مستقلّ عن مدرسته ولم تظهر مدوّنات خارجة عن طريقته، بل لم يكتب أحد كتاباً يصل إلى كتبه، فقصّر على كتب كرسالة عملية لا أكثر.
دور النهوض
بعد أكثر من قرن من وفاة الشيخ الطوسي قدّس سرّه لاحت في الأفق الشيعي بوادر حركة النهضة العلمية متجاوزة أقوال الشيخ الطوسي قدّس سرّه ورائدها ابن ادريس الحلّي قدّس سرّه المتوفى سنة 598 هـ ومعارضاً له في كل صغيرة وكبيرة بل حتى أنّه نال في بعض الأحيان من شخصيته منتقداً كل آراءه واستدلالاته وهو وإن جوبه بمعارضة شديدة من أغلب العلماء لكنّه وبأسلوبه العلمي الجديد الذي وضعه في كتابه السرائر, وطريقة عرضه للمسألة مع ذكره لاستدلال الشيخ ومناقشته هذا الاستدلال واضعاً استدلالاً منطقياً للحكم المخالف استطاع تثبيت أسس النقد والمناقشة حتى استسلم له العلماء بالإذعان والتبجيل ليدين الفقه الشيعي لهذا العالم الذي طغى أسلوبه الجديد في النقد على كل من جاء بعده.
دور الرشد والنمو
حملت مدرسة الحلّة على عاتقها الفقه الشيعي مدّة من الزمن استطاعت من خلاله إيصال الفقه إلى مرحلة الرشد والنمو، فطوّرت الفقه الاستدلالي المقارن وكثرت المسائل من خلال تفريعها مع أدلتها، وكان رائد هذه الحملة المحقّق الحلّي الذي سار بكتبه شوطاً ليواصل العلاّمة الحلّي من بعده حملها، فكتب القواعد والتحرير والمختلف، وقد تميّزت هذه الكتب بوحدة الموضوع لكل كتاب، فالتحرير جعل به تحرير أحكامه ومقارنتها مع فقه أهل العامّة، فكثر فيه مناقشتهم باسلوب علمي دقيق آخذاً المناقشة من مبانيهم وتخطئتهم باسلوب رزين بعيداً عن كل تعصب أو ميول فرقي. وجعل في المختلف المناقشة مع فقهاء الشيعة أنفسهم، وبهذه الكتب جعل الطريقة المثلى للكتاب الشيعي.
دور التراجع
ثم ظهرت فترة تراجع فيها الكتاب الشيعي إذ سيطر فقهاء أرجعوا الفقه إلى الروايات وعارضوا الاعتماد على الأصول وغيرها مكتفين بالروايات عن كل ما عداها، فسيطروا فترة من الزمن استطاع الشيخ البهائي قدّس سرّه أن يحدّ من غلبتهم وليرجع الفقه إلى مساره في طريق التطوّر، على أنّ فترتهم لم تخل من كتب حديث إلى جانب الاستدلال المستنبط ككتاب: (الحدائق) للشيخ يوسف البحراني قدّس سرّه المتوفى سنة 1186 هـ الذي يعتبر موسوعة فقهية متكاملة. سارت بالفقه الروائي المشوب بالاستدلال شوطاً كبيراً.
دور الازدهار
يعتبر كتاب جامع المقاصد للمحقّق الكركي الذي حقّق به الطريقة المثلى في الاستدلال المنطقي الجامع والموسع بداية لتطوّر علم التدوين، إذ يعتبر هذا الكتاب بداية أسلوب جديد، ودوراً فاصلاً في تاريخ الفقه الشيعي عدّه البعض الفاصل بين طبقتي المتأخرين وطبقة متأخري المتأخرين، وتميّز بقوة استدلاله ومتانته، وناقش فيه آراء كبار الفقهاء السابقين، ذاكراً آرائهم مع أدلتها، ثم يناقشها بدقّة متناهية ليثبت رأيه وقوته قبالة آرائهم. ثم سار الأكثر على طريقته لتظهر موسوعات علمية كبيرة ككتاب: (المستند) للشيخ النراقي, وكتاب (الذخيرة) للمحقّق السبزواري، وكتاب (الرياض) للسيد علي الطباطبائي قدّس سرّه، وكل هذه الكتب تعتبر مطوّرة لأسلوب المحقّق الثاني في الاستدلال, وكذا كشف اللثام إلى أنّ كتب صاحب الجواهر كتابه (الجواهر) الذي اعتبر موسوعة علميّة متكاملة اعتمد عليها جلّ الفقهاء، ثم كتبت موسوعات عديدة حتى يومنا هذا.
تطوّر تدوين الاجتهاد والتقليد
واكب كتاب الاجتهاد والتقليد في كلمات الأعلام كتاب أصول الفقه، فسار جنباً إلى جنب مع المباحث الأصولية، وأوّل من أفرد له باباً في كتابه الأصولي هو السيد المرتضى قدّس سرّه المتوفى سنة 436 هـ في كتابه (الذريعة)(16) في باب الكلام في الاجتهاد، استفتحه بذكر تعريف الاجتهاد، ذاكراً أقسامه، مختاراً مسلكه الذي نسبه إلى الشيعة عامّة، ثم طرح مناقشة الإشكالات الواردة عن طريق: إن قيل قلنا، بأسلوب شيّق لا يمل قارئه, ثم ذكر فصلاً لصفات المفتي والمستفتي ذاكراً بعده أدلة حسن تقليد العامّي، وذاكراً الأدلة والصفات، ونافياً عملنا بالقياس وعدم جواز الإفتاء بغير العلم ثم ذكر مسألة الأعلمية، ذاكراً أنّ الصفات إن كن في واحد تعيّن العمل برأيه وإن كانوا جماعة متساوون كان مخيراً، ومع الاختلاف ذكر عدّة أقوال جعل تقليد الأعلم أولى، ذاكراً أدلته العقلية على ذلك، ذاكراً بعد ذلك بعض الإشكالات المطروحة في المقام، مجيباً عليها إجابات عقلية، ثم ذكر فصلاً لصفات المفتي، ثم ذكر وجوب الترجيح عند الاختلاف وجواز وقوع التعادل بين حكمين، ناهياً بذلك بحثه المختصر جدّاً عن الاجتهاد والتقليد، إلاّ أنه يعتبر بحثاً موسّعاً في زمنه، ثم عقد من بعده شيخ الطائفة الشيخ الطوسي قدّس سرّه المتوفى سنة 460 هـ للاجتهاد باباً في كتابه (عدّة الأصول)(17) لم يختلف كثيراً، إلاّ أنّه استفتح الباب بأمور عقلية ملازمة للاجتهاد، وهل ان المجتهد يكون مجيباً دائماً؟، وذكر بطلان القياس، والعمل بخبر الواحد، ويزيد بحثه بذكر آراء أهل العامّة مع الاستدلال، ليكون بحثه أوسع من هذه الجهة.
ثم ذكره المحقّق الحلّي قدّس سرّه المتوفى سنة 676 هـ كتابه (معارج الأصول)(18) مختصراً له من جهات وموسعاً من جهات أُخر ليتسم البحث بالموضوعية أكثر من ذي قبل، إلاّ أنّه لم يذكر له أحكاماً فرعية فاقتصر على البعض فقط.
إلاّ أنّ بحث العلاّمة الحلّي قدّس سرّه المتوفى726 هـ في كتابه (مبادئ الوصول إلى علم الأصول)(19) اتسم بالشمول أكثر من سابقه، فذكر الاجتهاد وتعريفه، ثم ذكر شرائط المجتهد بالتفصيل، ثم بحث مسألة تصويب المجتهد، ذاكراً بعده بحث تفسير الاجتهاد، ثم بحث جواز التقليد، أعقبها ببحث شرائط الاستفتاء، ثم بحث في فرض إفتاء غير المجتهد وأنه إن كان حكاية عن آخر فله صور، ثم أنهى بحثه في من لم يبلغ رتبة الاجتهاد وأنه هل يجوز له الإفتاء. وهذا البحث من العلاّمة قدّس سرّه اتّسم بالتوسعة أكثر من ذي قبل مع تميزه بالوضوح وسهولة الاستدلال وقصره بحيث لم يذكر أدلّته على أكثر أحكامه.
وأما بحث الشيخ حسن بن الشهيد الثاني قدّس سرّه المتوفى 1011 هـ في كتابه (المعالم)(20) فقد اتّسم بالشمول أكثر من ذي قبل، بالإضافة إلى كثرة إرجاع الاقوال إلى أصحابها مع ذكر الأدلة بشيء من الشمول والموضوعية، وقد أضاف موضوع التقليد وتعريفه ومتى يجوز ومتى لا يجوز، وبحث أيضاً عدم جوازه في أصول العقائد، وذكر أيضاً بناء المجتهد على اجتهاد مجتهد سابق عليه، وأضاف بحثاً عن جواز تقليد الميت وعدمه، واختار كبقية الفقهاء عدم الجواز، وقال بأنّه إجماعي، وكتب الشيخ البهائي المتوفى 1030 هـ في كتابه (زبدة الأصول)(21) بحثاً لم يختلف كثيراً عن من سبقه إلاّ أنّ بحث (الوافية)(22) للفاضل التوني قدّس سرّه المتوفي 1071 هـ اتّسم بالاتساع والتفصيل وإضافة مسائل جديدة أهمها بحث التجرّي في الاجتهاد بمعنى جريانه في بعض المسائل دون بعض، وما يحتاج إليه المجتهد، وحكم تارك طريق الاجتهاد والتقليد ليكون بحثه في الاجتهاد والتقليد أوسع بحث كتب حتى وقته.
ثم توالت البحوث في كتب الأصول على هذا المنوال حتى وصل إلى بحث الشيخ محمد تقي الرازي قدّس سرّه المتوفى سنة 1248 في (هداية المسترشدين)(23) الذي أضفى على البحث صبغة جديدة من الاستدلال المعاكس في بحثه عن أدلة المانعين للاجتهاد والردّ عليها، وأضاف كثير من التفريعات.
ثم استمر البحث من قبل الفقهاء على هذا المنوال إلى أن كتب الآخوند الخراساني قدّس سرّه المتوفى 1329 هـ كتابه (الكفاية)(24) ليضفي إلى البحث رونقاً جديداً من استدلال وتفريع مباحث جديدة في الاجتهاد والتقليد بل وإضافة مباحث جديدة.
ثم اتجه بحث الاجتهاد والتقليد مساراً جديداً فبكتابة السيد الطباطبائي المتوفى سنة 1337 هـ لكتاب الاجتهاد والتقليد ضمن كتابة العروة الوثقى تحوّل البحث من كتب الأصول إلى كتب الفقه، ولم يعد يبحث بعد ذلك إلاّ في كتب الفقه، فعقد الباب الأول لكتابه للاجتهاد والتقليد، غير أنّه كتب ككتاب رسالة عملية لا تحتوي على أي استدلال بل مجرّد أحكام شرعية، غير أنّها من حيث السعة شملت أكثر الأحكام المتصورة في الباب، بل كل بحث كتب بعده لم يتعدّ ذلك.
بل اختار القسم الأكبر منهم التعليق على العروة الوثقى مكتفياً بها، وأفرد في الرسائل العملية الباب الأول للاجتهاد والتقليد، إذ حذا الفقهاء من بعد السيد اليزدي قدّس سرّه حذوه في جعل البحث بحثاً فقهياً، ثم ظهرت التوسعة في كتب شرح العروة الوثقى، إذ أضيف إليها الاستدلال الفقهي على أشكال مختلفة، فبعضها اختصرت الاستدلال، والبعض وسّعه إلى درجة كبيرة، ذاكراً كل الأدلة مع المناقشة، إلى أن ظهر كتاب بيان الفقه لآية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلُّه كموسوعة متكاملة في بحث الاجتهاد والتقليد، كان جديداً ببحثه، بحثاً مستقلاً بكافة مباحثه وتفريعاتها وأدلته ومناقشته، لذا يمكن القول أنّه, من إبداع سماحة آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دام ظلُّه الذي اتخذ من العروة الوثقى للسيد كاظم اليزدي متناً له وجعله من أوسع كتب الفقه الاستدلالي شرحاً وتفريعاً ودقة، فقد أنهى كتاب الاجتهاد والتقليد ليضعه في (1868) صفحة، موزّعة على أربعة مجلّدات، وبذلك يكون أشمل كتاب وضع في الاجتهاد والتقليد على الاطلاق، فمِن حيث الحجم لم يسبق لأحد وضع كتاب في المقام معادل لهذا الكتاب, ومن حيث المادة لم يترك السيد مسألة أو تفريعاً أو قولاً أو احتمالاً لم يضع له استدلالاً مناسباً، فقد كان ديدن الفقهاء في كثير من المسائل إمّا تركها أو الإشارة العابرة لها أو ذكر استدلالاً مختصراً أو ذكره موسعاً، لكن ليس ذكراً شاملاً لكل صغيرة وكبيرة. وللتعرّف أكثر على الكتاب نتكلم عن الأجزاء الأربعة وما احتوته بشكل عام، ثم نتكلّم عن طريقة سماحته الخاصّة في كل بحث والمميزات والأمور الفارقة عن غيره من الكتب.
يتبع...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مجلة المرشد الدورية/ العدد: 23و24 ـ 1431 للهجرة/ مع قليل من التعديل والتصرّف من قبل المشرف على موقع مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية.
1. أستاذ في الحوزة العلمية في قم المقدسة.
2. صحيح البخاري: 19،9.
3. سنن ابن ماجة: 2658،887،2.
4. مسند أحمد: 784،161،1.
5. أصول الكافي: 296،1-1،297.
6. رجال الكشي: 4-6، ترجمة1.
7. سنن الدارمي: 484،85،1و496.
8. طبقات ابن سعد: 229،7.
9. تذكرة الحفّاظ: 2،1.
10. كنز العمّال: 291،10-292.
11. المصدر نفسه: 29476،292،10.
12. أبو جعفر المنصور ثاني من خلفاء بني العبّاس ولد سنة 95 هـ وولي الخلافة بعد وفاة أخيه السفاح سنة 136 هـ وتوفي ببئر ميمونة سنة 158 هـ . انظر تاريخ بغداد: 1, 62.
13. تاريخ الإسلام: (حوادث ووفيات 171 ـ 181): 321 – 322.
14. الوسائل: 30, 165.
15. أصول الكافي: 1, 113/10.
16. الذريعة للسيد المرتضى: 2, 792.
17. عدة الأصول: 2, 726.
18. معارج الأصول: 181.
19. مباديء الوصول إلى علم الأصول: 201.
20. معالم الدين وملاذ المجتهدين: 201.
21. زبدة الأصول: 241.
22. الوافية: 241.
23. هداية المسترشدين: 3, 614- 722.
24. كفاية الأحكام: 461.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ljfgkidf.yoo7.com
 
الاجتهاد والتقليد في كتاب بيان الفقه*
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدونة شيعة مملكة البحرين :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: